محمد جمال الدين القاسمي

6

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

جمع ( نعم ) محرّكة وقد تسكن عينه . وهي الإبل والبقر والشاء والمعز إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ يعني : رخصت لكم الأنعام كلها . إلّا ما حرم عليكم في هذه السورة ، وهي الميتة والدم ولحم الخنزير وغير ذلك . وذلك أنهم كانوا يحرمون السائبة والبحيرة . فأخبر اللّه تعالى أنهما حلالان ، إلّا ما بيّن في هذه السورة ، ثم قال غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ يعني : أحلت لكم هذه الأشياء . من غير أن تستحلوا الصيد وأنتم محرمون . ف ( غير ) نصب على الحالية من ضمير ( لكم ) . قال في ( العناية ) : ولا يرد ما قيل : إنه يلزم تقيد إحلال بهيمة الأنعام بحال انتفاء حل الصيد وهم حرم . وهي قد أحلت لهم مطلقا . ولا يظهر له فائدة ، إلّا إذا عنى بالبهيمة الظباء وحمر الوحش وبقره ، لأنه - مع عدم اطراد اعتبار المفهوم - يعلم منه غيره بالطريق الأولى . لأنها إذا أحلت في عدم الإحلال لغيرها ، وهم محرمون لدفع الحرج عنهم ، فكيف في غير هذه الحال ؟ فيكون بيانا لإنعام اللّه عليهم بما رخص لهم من ذلك . وبيانا لأنهم في غنية عن الصيد وانتهاك حرمة الحرم . وفي ( الإكليل ) : في الآية تحريم الصيد في الإحرام والحرم . لأن « حرما » بمعنى محرمين ، ويقال : أحرم أي : بحجّ وعمرة . وأحرم : دخل في الحرم . انتهى . قال بعض الزيدية : والمراد بالصيد المحرّم على المحرم . هو صيد البر . لقوله في هذه السورة : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً [ المائدة : 96 ] ، هذا إذا جعل ( حرم ) جمع ( محرم ) وهو الفاعل للإحرام ، وإن جعل للداخل في الحرم ، استوى تحريم البحريّ والبرّي . وذلك حيث يكون في الحرم نهر فيه صيد فيحرم ، لقوله تعالى : وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [ آل عمران : 97 ] . لأنه يقال لمن دخل الحرم ، أنه محرم . كما يقال : أعرق وأنجد : إذا دخل العراق ونجدا . ويكون التحريم في مكة وحرم المدينة لما ورد من الأخبار في النهي عن صيد المدينة وأخذ شجرها . نحو : المدينة « 1 » حرم من عير إلى ثور . انتهى .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في : فضائل المدينة ، 1 - باب حرم المدينة ، حديث 943 ونصه : عن أنس رضي الله عنه ، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال « المدينة حرم من كذا إلى كذا . لا يقطع شجرها ولا يحدث فيها حدث . من أحدث حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين » . و رواه أيضا في : الاعتصام ، 6 - باب إثم من آوى محدثا . ونصه : حدثنا عاصم قال : قلت لأنس : أحرّم رسول الله صلى اللّه عليه وسلم المدينة ؟ قال : نعم . ما بين كذا إلى كذا . لا يقطع شجرها . من أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين . و ( ما بين كذا إلى كذا ) معناه : من عير إلى ثور .